صدى الاهتراء - قصة قصيرة

كانون الثاني 17th, 2006 كتبها أحمد جرار نشر في , قصص قصيرة

صدى الإهتراء

بقلم : أحمد جرًّار

 

يا تُرى، ما الذي تغير حتى تتغير نفوسنا إلى هذا الحد.. يا تُرى، ما الذي هوى حتى هوينا معه إلى هذا الدرك المخزي؟ ما الذي انحدر حتى تنحدر طموحاتنا إلى هذه الدرجة؟ لماذا يصر البعض على خرق السفينة التي تعبنا كثيرا في بنائها؟ لماذا نعود فنمزق الشراع الذي ناضلنا طويلا كي نرفعه؟ ما الذي حصل حتى هرمنا بهذه السرعة؟ رباه! لماذا تحوّل الجميع فجأة إلى جثث لا روح فيها؟

 

هواجس وأفكار متشابكة تتقافز في رأس وحيد. لقد خرج لتوه من اجتماع حزبي والأسى يفطر قلبه.

 

ظنها في البداية نزوات عابرة لا تلبث أن تزول وتنتهي.. سحابات سود سيغمرها نور الشمس قريباً.. أورام صغيرة سرعان ما تستأصل وتزول.. فإذا هي سرطانات خبيثة تنتشر في جسم الحزب كالنار في الهشيم.. لم يكن يعتقد أن غيابه عنهم سيغيرهم إلى هذه الدرجة.. فقد أصبح كمن يؤذن في مالطا.. أو كالذي يرقص في العتمة - على حد تعبير الأستاذ رجب رفيقه القديم.. أصبحت آراؤه بالنسبة لهم كهراء لا طائل منه، أما كلامه عن المبادئ؛ فقد كان في نظرهم تنظيرا يفتقر كثيراً إلى الواقعية.. مصطلحات وجمل أصبحت تتردد هنا بكثرة تكتيك.. متطلبات المرحلة.. دوائر الممكن.

 

قالوا له: إن لكل معركة أسلحتها، وإن عليه أن يتأقلم، وإلا فإنه قد يتألم. وقالوا له أيضاً: إن العاقل من اتعظ بغيره، وعندما تحدث لهم مرة أخرى عن الفقراء والعمال، كان كمن يلقي نكتاً؛ فلقد انفجر الجميع بالضحك.

 

كانت المرة الأولى التي ينتبه إلى ملابسهم الأنيقة وسجائرهم ذات النوعية الفاخرة.. لقد أحسَّهم لوهلة تماثيل من الشمع.. غابت في عيونهم كل معاني الثورة والأمل..

 

صمت طويلاً، وهم يحدقون في وجهه بابتسامات صفراء، ثم خرج بدون أن يتكلم أي كلمة.

 

لم يشعر بنفسه إلا وهو يقف على أعتاب باب بيته، والظلام الحالك يلفه من كل جانب، دخل البيت على رؤوس أصابعه؛ خوفاً من استيقاظ زوجته، واستقبالها له بالسيمفونية المعتادة.. حول دوره كأب أسرة وعن ابنه الذي كاد المرض يقضي عليه في غيابه.. وعن سوء خاتمته إذا استمر بالطريق التي يسير فيها.. أصبح يشعر في الفترة الأخيرة أنها أحد مرءوسيه في الحزب؛ فهي تستخدم نفس العبارات ونفس المصطلحات، وكل شيء حتى مثال الأذان في مالطا.. شعر بضجر عميق.. دخن سجائر متلاحقة.. أعد لنفسه قهوة على حذر، وجلس يشربها في حالة من اللاوعي.. نظر إلى مكتبته المتواضعة، تناول الكتاب الذي اشتراه مؤخراً - الثوابت والمتغيرات في العمل الحزبي – انفجر من الضحك: ثوابت هاهاها.. ثوابت هاهاها..

 

لا يدري أين قرأ تلك الجمل التي رنت على باله فجأة لا يكفي في العمل السياسي أن يكون الإنسان صادقاً ومتفانياً خاصة في جو الكهانة الذي انتقل من الأديرة النائية إلى التنظيمات السرية… وحين تغيب الحرية في القول والاختيار وحين يتم التستر على الأخطاء بحجة حماية التنظيم ولعدم تمكين الأعداء فعندئذ من الأفضل بل من الأهم أن يكون الإنسان ماكراً بارعاً أقرب إلى النفاق… خاصة مع من هم أكبر منه موقعاً ومن هم أقوى …أما إذا كانت الطيبة سلاح المناضل… فإنها في حالات كثيرة تدل على الغفلة وسوء التقدير …وعدم معرفة القوانين الحقيقية التي تحرك الأشخاص… وتتحكم بالسياسات والدول شعر بغصة في قلبه ثم برغبة في البكاء… ذهب إلى فراشه أخيراً خوفاً من إقدامه على عمل جنوني …

 

لم يتركوه حتى في أحلامه… لقد كان يركض في الحلم مع مجموعة من رفاقه يركضون وتطاردهم مجموعة من الكلاب السود… كانت تركض بسرعة كبيرة ومنظرها يجمد الدم في العروق… وصلوا في النهاية إلى قلعة كبيرة يحيط بها نهر عظيم… وهناك جسر… توقف فجأة وطلب من رفاقه الوصول إلى الجسر وهو سيقوم بإشغال الكلاب… تشابكت وتداخلت الصور داخل الحلم… وجد نفسه أخيراً يقف وحيداً أمام الكلاب السود ورفاقه يطلون عليه من أعلى القلعة… وهم يبتسمون الابتسامات الصفراء إيّاها… كان يصرخ بأعلى صوته لكن صوته لا يكاد يخرج من جوفه… وأصوات قهقهات هستيرية تتداخلها زمجرات الكلاب المسعورة تملأ الأرجاء… أخذت الكلاب تقترب وتقترب وهو يصرخ أكثر فأكثر ولا من مجيب… لاح له من بعيد خيال ضخم لزوجته… وهي تنظر إليه، تنظر إليه نظرة تجمع ما بين العتاب والشفقة والسخرية… واختلطت وتداخلت عليه الصور مرة أخرى… رأى نفسه في مكان آخر… كان هذه المرة يسير في ممر مظلم وطويل كان يحمل مشعلاً باهتاً … كان يمشي بصعوبة شعر بضجة تأتيه من الخلف شاهد من بعيد أحد مرءوسيه بالحزب يمسك بيد أحد رجال السلطة وقاما معاً بإغلاق باب الممر من الخلف … وفجأة بدأت المياه تتدفق من كل مكان

المزيد